من تجارب قدامى النقابيين وتطور وتنوع الإدارة
بين النقد والحل
-7-
أحمد حباب
و الحل هو التحول من الاهتمام و التركيز على فنية الإدارة و عالم الأشياء كما هو في الإدارة العلمية ، أو على إنسانية العلاقات و عالم الأشخاص كما هو في ( العلاقات الإنسانية ) إلى عالم آخر هو عالم القيم المعنوية المشتركة . فعندما تكون هناك عقيدة أو نظرية مبدئية يؤمن بها العمال و الإدارة على حد سواء ، و نحدد رسالة المنشأة ودور العمال ودور الإدارات من واقع مقتضيات هذه العقيدة فسيوجد الصعيد الذي يتلاقى عليه الجميع و ينطلقون منه. و ستحل هذه العقيدة كافة المشكلات وسيعمل العمال لمضاعفة الإنتاج و تقبل الوسائل العلمية لأن للإنتاج رسالة ، و لأن النهضة بها هي واجبهم ، كما إن تحقيق النصر هو واجب الجندي . و ستعمل الإدارة بهذه الروح نفسها ولهذا الغرض نفسه ، ولكن يكون الفرق بين العامل والمدير إلا كالفرق بين الجندي وضابط في معركة ولن يحس أي عامل بغضاضة لأنه عامل فحسب ، كما لن يشعر أي مدير بزهو لأنه مدير فحسب لأنهم جميعا يعملون من مواقعهم لهدف واحد ، و هذا الهدف – وليس الواقع- هو الذي يستغرق انتباههم و يدفع كل واحد منهم لان يسهم فيه بقدر ما يستطيع و عندما يستطيع العامل أن يسهم إسهام المدير فسيكون مديراً ، و عندما يعجز عن أن يقوم بدور المدير فسيفقد هذه الصفة .
و هكذا نجد أن هذا الحل ينجو من مأزق النظرة المتحيزة أو المعالجة من إحدى الزاويتين زاوية العمال أو زاوية الإدارات وأنه ينظر منهما معاً، و يجمعهما معاً جميعاً لا يتيسر قط إلا بفضل إيمان . فالإيمان هو الذي يفرق ويجمع في وقت واحد ما بين العامل كعامل ومدير دون أي غضاضة أو إحساس (طبقي) أو فئوي . لأن الإيمان سيصهر هذه العواطف في الوقت الذي سيبقى فيه على الموقع بقدر ضرورتها و بحيث يكون الموقع هو حكم التنظيم – أو قانون الموقف على حد تعبير ماري باركرفوليت ، وما أخطأته ماري فوليت هو أن الموقف لن يكون موضوعيا بالنسبة للفريقين وملزماً إلا عندما يصدر عقيدة يؤمنان بها على سواء .
وهذا في الحقيقة هو السبب في أننا لا نجد لمثل هذا الحل إشارة في كتب الإدارة الرأسمالية (أوربية وأمريكية ) لأنه غريب على المجتمع الرأسمالي . فالرأسمالية أساسا دعوة الحرية و الفرد و الذاتية وليست دعوة العقيدة و الإلزام و الموضوعية ، ومن ثم فلا مجال لغرس فكرة مناقصة لها فيها ، ولئن غرست فلن تنجح . ولكننا يمكن أن نجد صورة لأثر العقيدة المشتركة على الإدارات و العمال في الاتحاد السوفيتي مثلا . فقد أفسح التأميم مجالا لقيام نظرية فحواها أن الإنتاج أصبح أداة و عجلة تقدم للمجتمع وليس وسيلة لربح ، وأن العمال هم أبطال الإنتاج الذين سيكسبون لبلادهم الانتصار في أعظم معركة ، وأن المديرين ليسوا أكثر من ضباطهم في هذه المعركة ، ومن ثم فقد تقبل العامل السوفييتي – أو على الأقل أعضاء الحزب المؤمنون بهذه النظرية – بتأييد و حماس كل صور الترشيد و الوسائل التيلورية التي ظهرت طبيعة روسية فجة منها (الاستخانوفية).
على أن الماركسية نفسها ليست هي العقيدة المثلى ، بل لعلها ليست عقيدة على الإطلاق ، وإنما هي كما يرى ذلك أصحابها أنفسهم نظرية .. لأنها في حقيقة مادية ، فهي في الجوهر لا تختلف عن الرأسمالية ، بمعنى أن هدفها الأعظم هو الرخاء المادي ، و الفرق الوحيد هو أن الرأسمالية تريد للبعض أو للقلة .. و الماركسية تريده للكل أو للأغلبية ، ولكن الرخاء المادي نفسه لا يكون عقيدة . لأن من خصائص العقائد العظمى المبدئية وليست النفعية . ومن هنا فإن فكرة الرخاء المادي تقضي بنفسها على نفسها شيئا فشيا بقدر ما تتحقق طبقا لمبدأ الإشباع، ولمبدأ الغلة المتناقصة ، فضلا عن أن تأسيس الرخاء على التأميم الأمر لا يقبل على إطلاقه أو كمسلمة ، لأنه وأن قضى على وازع الربح الذميم ، إلا أن هذا لا يستتبع بالضرورة الرخاء الجماعي ،وما رزقته الماركسية في الاتحاد السوفيتي السابق من نجاح بصفة عامة أو بالنسبة لحل مشكلات العمل والإدارة فإنما يعود بصفة أساسية إلى عوامل طارئة خاصة بالتجربة نفسها أكثر مما يعود إلى صلب النظرية مثل جدة التجربة التي جعلت نفوس أتباعها كالغرباء المشدودين وسوء حال الاتحاد السوفيتي السابق وما انحط إليه من درك الفاقة و التخلف ، و الحصار الذي فرضه العالم الرأسمالي عليه و كاد أن يخنقه ، و الحرب التي أعلنها و كادت أن تهزمه .. ولكن الوضع تغير الآن فقد مضت ما يقرب المائة عام على الثورة و اختفى جيلها الذي أرسى الأساس وسط الظروف التي أشرنا إليها و انتصر الاتحاد السوفيتي السابق في الحرب و الحصار ، وتغلب على الفاقة المدقعة و التخلف الكئيب . وبقدر ما يحققه من تقدم بقدر ما يهن الإيمان و يتهاوى الضبط والربط ، و تتراخى الشدة ، ويزحف البرجوازي حتى وإن لم تكن رأسمالية .
ولا يسمح المجال بأكثر من ذلك . وهو كاف لإيضاح الفكرة الأساسية . و النقطة الهامة هي أننا لا نجد عقائد بالمعنى الحقيقي إلا في الأديان لأنها تقيم عقيدتها على الإلوهية التي لا غاية وراءها، ولكن هذا لا يستتبع أن تنجح كل عقيدة دينية في إقامة نظام اجتماعي لأنه ما لم تحدد العقيدة هذا النظام ، فإن أثرها لا ينسحب عليه بطريقة مباشرة .
و مرة أخرى لا يسمح المجال بالإسهاب في إيضاح مبررات ذلك . و حسبنا أن نقول إن ذلك لإقامة النظام الاجتماعي الاقتصادي على أساس العدل بالمعنى الشامل و الأصولي للكلمة . و بالنسبة الإدارة فإن هذين الأصلين يقتضيان أن يكون للهيئة أو المنشأة رسالة تستمد من صلب العقيدة ، أو على الأقل تتفق معها ، وأن يعمل الجميع إدارات وعمالا لتحقيقهما ، وأن تجميع بينهما أخوة الإيمان و العمل للهدف المشترك و أن يكون المناط في وضع كل واحد و موقعه هو الاستحقاق الموضوعي وليس العنصر الذاتي فالعامل مرؤوس للمدير يعلم مالا يعلمه العامل . وقد يتحول هذا الضيق إلى حمد أو استشراف وهما مكروهان ممقوتان . وبهذه الطريقة يسود الهيئة و المنشأة سلام يقوم على العدل الموضوعي – وليس على حب يستمد من العاطفة الذاتية ، كما أملت ذلك المسيحية مثلا .
و سواء أكان في هذا الكلام اقناع أو لم يكن فهناك ناحية تجليها تلك الإشارة و تصديقها تجربة الاتحاد السوفيتي السابق من الناحية الإيجابية . و أزمة الإدارة الرأسمالية الحديثة من الناحية السلبية ، تلك هي أن من الضروري للهيئة أو المنشأة أن توجد عقيدة ، أو على الأقل منهجا مستمدا من عقيدة ، لكي يسود السلام ما بين العمال و الإدارات . وهو المدخل الذي أبدعناه في معالجة الإدارة.