من تجارب قدامى النقابيين وتطوروتنوع الإدارة
بين النقد والحل
-4-
أحمد حباب
وأبرز ما أسهم به جيلبرت هي دراسته الحركة التي يقف في دراستها عند حد المشاهدة بالعين المجردة ولكنه استعان بالسينما البطيئة وبالساعات التي كانت إحداها تستطيع أن تسجل 1/200 من الثانية على أن الجدة التي جزأ بها في هذا الميدان الذي ارتاده من قبل تايلور كما رأينا، كانت إضافة عنصر فيزيولوجي خاص بالعامل إلى العنصر الميكانيكي الخاص بالعملية التي عني بها تيلور . فقد درس جيلبرث جسم العامل و وظائف الأعضاء و قابليتها للحركة . ووجد مثلا ، أن استعمال مقبض موحد المقاس لكي يمسك به كل العمال أمر متعب و يؤثر تأثيرا سيئاً على الإدارة لاختلاف أحجام أيدي العمال و تفاوت أشكال الأصابع ، ويستوجب هذا صنع أحجام متعددة من المقابض لتتلاءم مع أحجام أيدي العمال.
أما هنري لورانس جانت (1861-1919) فهو مهندس أمريكي عمل مع تايلور من 1887 إلى 1902 وعنى بوجه بنظام المنح و المحفزات التي تقوم على كافة حد معين ثم زادته .
ثم إلى جانب هذا المثلث ، فقد وضع هارنجتون أمر سون معايير وجداول و مبادئ للكفاية .. واتجهت مارى باركر فوليت ( 1865-1933) اتجاها جديدا يختلف شيئا ما عن وجهة تايلور و فايول، و يجعلها أشبه بحلقة اتصال ما بين الإدارة العلمية و الاتجاهات الإنسانية التي جاءت فيما بعد .فلم تهتم بطرق الرقابة على العمليات الفنية مثل تايلور أو اختصاصات الإداري أو وظائفه مثل فايول ولكنها باكتشاف الانفعالات الإنسانية الأساسية التي تتمكن خلال علاقات و عمل الإدارة ، وبوجه خاص ما يتعلق منها بالسلطة ، و اصدرا الأوامر و المنازعات ، ولم تر في المنازعات ظاهرة مرضية إلا عندما تقترن بالجهل أو التحكم ، و تصورت إمكان الإفادة منها في توليد رأى جديد تسهم المجموعة في الوصول إليه ويعد رأيا عاما، أو جماعيا . كما هاجمت التفرقة ما بين إدارة الأعمال و يمكن أن تساعد تجاه حل مشاكل العالم ، حيث أن مبادئ التنظيم و الإدارة التي ارتئي أنها الأمثل في عالم الأعمال يمكن أن تطبق على الحكومة أو العلاقات الدولية . و الحق أن حل المشكلات العالم إنما يتكون من تلك القطع من الخبرات و التجارب التي تتكون عندما يعمل الناس بوعي لحل مشاكل العمل . وقد بذلت هذه المحاولة بوعي أكثر في مجال الصناعة عن غيره وكانت هي نفسها مثلا جيدا لنقل الخبرات الإدارية من الحكومات إلى الأعمال فقد كانت ذات شهرة دولية كعالمة في السياسة قبل أن تتحول إلى عالم إدارة الأعمال ، وقد أدت هذا دون أن تحس أنها غيرت الموضوع ، و إما غيرت الاتجاه فحسب .
و يشاركها هذا الاتجاه البريطاني ليندال أوربك الذي رأى (إن هذا التعارض المزعوم ما بين الأعمال و الحكومة هو دون أساس . فإن تدير منشأة أعمال هو- في الواقع- أن تحكمها. وأن تحكم محافظة أو إمبراطورية هو- في الواقع أن تديرها . فكلا النشاطين يوجه نحو هدف واحد ألا وهو ترتيب جهاز أنساني للتعاون لتحقيق أغراض معينة ، وقد تختلف الأحجام و الأعراض ، ولكن العمليات متماثلة .. ففي كلتا الحالتين يجب مناقشة السياسة و تحديدها . و تنفيذها .وفي كلتا الحالتين يجب تشغيل عمال و مراقبة النفقات في ضوء ما تحقق من نتائج طبقا للخطط الموضوعة .وفي كلتا الحالتين يكون على المسؤولين أن يتعاملوا –أساسا – مع كائنات إنسانية تدخل في علاقات متنوعة ).
ومن المعروف عن ايرويك هذا أنه من الذين يؤيدون تحديد عدد المرؤسين الذين يمكن لمشرف واحد توجيههم بحيث يكون في حدود خمسة أو ستة .
(وقد زادت ثقة ايرويك في نظريته بفضل صديق له يدعى جريكوناس أوضح رياضيا أن عداد العلاقات المتعارضة بين جماعة المرؤسين و رئيسهم تختلف هندسيا تبعا لعدد المرؤسين . ولهذا فانه مع المشرف الذي يرأس أربعة يكون عدد العلاقات المباشرة المتعارضة 44، ولو زاد مرؤوس واحد ا ارتفعت هذه العلاقة إلى 100 فإذا كان المرؤسون ستة قفز عدد العلاقات إلى 200 ، فإذا ارتفع عدد المرؤسون إلى سبعة تراوحت العلاقات ما بين 400 و 500 وعلى ذلك كان توسيع مجال الإشراف مسألة رهيبة )
و بفضل تلك البداية التي بدأها تايلور أصبحت الإدارة موضوعا لدراسات متنوعة متوالية . و اليوم توجد كليات و معاهد عديدة للإدارة خاصة في كل دول العالم و تحفل بالأساتذة الذين يقدمون مادتهم بكل الطرق سواء اقتصروا على الشرح التقليدي أو حاولوا النقد و التحليل و الإضافة
انعكاسات الإدارة العلمية :
مع أن أصحاب الأعمال في كثير من الحالات ، وخاصة في السنوات الأولى أعلنوا رفضهم الأخذ بوسائل الإدارة العلمية ، إلا أنهم في حقيقة الأمر ، ودول أن يعلنوا ذلك ، طبقوها بدرجات متفاوتة بل و امتد تطبيقها من المجال الصناعي إلى المجال الإداري ، ومن مجال إدارة الأعمال إلى إدارة الهيئات ووقع ما حذر تيلور منه : التركيز على الوسيلة دون الاهتمام بالجوهر ، وشيئا فشيئا فقدت الإدارة العلمية جدتها و ثوريتها . وأصبح يشار إليها باعتبارها الإدارة التقليدية بل لم نعدم من الكتاب من يشير إلى بعض أساليبها باعتبارها الإدارة الفولكلورية وقد بلغت الإدارة العلمية أوجها في الفترة ما بين الحربين العالميتين ولكنها أخذت من سنة 1938 تتعرض لهجمات قاسية من الناقدين .. فذلك الاهتمام الوثني بالإنتاج والثورة ، و الإهدار اللا إنساني للعامل و تسخير كل حركة و سكنة من حركاته و أعصابه في سبيل لإنتاج أدتا إلى ثورة . العامل و المستهلكين معا. ولم يكن نجاح العملية إلا ليزيد هذه الثورة اشتعالا لأن النجاح –كما رأينا – كان يفيد بالدرجة الأولى الرأسماليين دون العمال و المستهلكين.
و بالنسبة للمستهلكين ، فقد حاول الرأسماليون التضليل و التمويه و الخداع و التأثير على الرأي العام . و نجد مثالاً نموذجياً لذلك فيما فعله روكفلر عقب الثورة العارمة على احتكاراته ، فقد التجأ إلى خبراء العلاقات العامة الذي صوره في الصحف وأمام الرأي العام في صورة الرجل الطيب المسن ، أو وهو يلعب التنس أو وسط العمال، كما وجهه نحو التبرع بالملاين و تكوين شبكة دولية من المنشآت الثقافية والخيرية و الاجتماعية . وأخذت كلمة العلاقات التي كانت مهجورة مجهولة ، والتي ضحى بها – بلا رحمة – على مذبح الانجاز و النجاح ، بل إن اجتذاب العملاء و الإيقاع بهم عند الضرورة و تقميع أساليب الرشوة و الفساد ، أن الكثير منها لم يكن علاقات عامة قدر ما كان علاقات خاصة بكل ما يوجه التعبير من معان و انطباعات ، إلا أنها في مجموعها دلت على عدم كفاية أساليب الإدارة العلمية ، التي تجاهلت المجتمع ، وكان يجب أن تحسب حسابه ..
وكان الأمر بالنسبة للعمال أصعب وأقسى ولم يكن في جعبة الإدارة العلمية ما تخدع به العمال أو تلطف من عدوانهم ، ومن ثم فقد اتسمت فترة الإدارة العلمية زيادة التوتر ما بين العمال و أصحاب الإعمال و تفاقم الإضرابات و القلق و حاول خبراء الإدارة العلمية عبثا إصلاح هذا الوضع أو تحسين الحال.
وفي سنة 1920 ضاق أحد مستشاري إدارة أعمال واسمه ويتنج وليمز بقوله معرفته لوجهات نظر العمال . فعمل كعامل عده سنوات في مصانع الحديد و الصلب ومناجم الفحم بالولايات المتحدة . ثم كرر التجربة في كل من فرنسا و ألمانيا و بريطانيا وبعد ذلك أصدر كتابه (ماذا يدور في ذهن العامل ) ضمنه حقائق الحياة البائسة الرتيبة للعامل ، و أوضح فيه أن جهل العامل بخطط صاحب العمل و مثله العليا لا يعادله إلا جهل صاحب العمل بمشاغل العامل و احتياجاته ، و أن دعوى الإدارة أن العامل ما هو إلا عنصر اقتصادي و لا يعمل إلا من أجل تحليل القرش دعوى مضللة ، وغير صحيحة في آن واحد ، وأنه بقدر ما يرتفع أجر العامل عن مستوى الجوع ، بقدر ما يزداد اهتمامه بالمنزلة الاجتماعية ويقل بالنسبة للناحية المادية و غالبا ما يكافح الرجال من أجل الاحتفاظ بماء و جهودهم أكثر مما يكافحون لملء بطونهم ، وأن العامل يحدد منزلته الاجتماعية لنفسه وأسرته ، لا استنادا إلى مقدار ما يكسبه ، بل استنادا إلى طبيعة و أهمية المشاعر التي يستمدها العمال من خبرتهم في العمل )
و أثار كتاب وليمز الذعر في دوائر أصحاب الأعمال، و كشف لهم بعدا جديدا من أبعاد المشكلة لم يكونوا يأبهون له ، ودفع إلى الأمام عددا من الدارسين و الكتاب ليمضوا قدما في دراسة المشكلة .