الاتحاد العام لنقابات العمال
الاتحاد العام لنقابات العمال

جريدة الاتحاد

الصفحة السابقة »

شماعة (خطأ التقدير)

2015-04-07 19:34:26

شماعة (خطأ التقدير)

بات من الواضح من خلال الوقائع والتجارب والممارسات على أرض الواقع ان الولايات المتحدة الأمريكية تغير سياستها تجاه الكثير من الأحداث في العالم وأحيانا يحصل هذا التغيير بسرعة قياسية بمعنى انه لا حرج لديها في ذلك. فعلى سبيل المثال لا الحصر كلنا نتذكر ان إدارة الرئيس الأمريكي أوباما اعتبرت ان الرئيس المصري المعزول محمد مرسي هو نتاج ثورة شعبية مصرية وزعمت ان التغيير على يديه آت وانه بات يترتب على الادارة الأمريكية مسؤولية دعم مرسي وتسهيل مهمته وبالتالي دعم ما اسمته انتقال مصر –حسب زعمها- إلى عملية ديمقراطية وحياة سياسية طبيعية. وبالطبع هذا الدعم لمرسي جاء على خلفية معروفة باعتباره دعما للاخوان المسلمين الذين ترطبهم علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة منذ عقود طويلة وبناء على هذه الخلفية عملت الادارة الأمريكية على فتح أبواب الدول الأوروبية والأجنبية على مصراعيها أمام جماعة الاخوان المسلمين وسعت إلى تبييض صفحتها السوداء بادعاء انها –أي سلطة مرسي- سلطة شرعية فرضتها إرادة الشعب المصري علما بأنها تدرك تماما حجم الهواجس والشكوك والأسئلة الكثيرة التي تدور في أذهان العديد من الدول حول هذه الجماعة إذ طرح موضوع تصنيفها على لائحة الارهاب في أكثر من دولة منها روسيا التي وضعتها على لائحة الارهاب وغيرها الأمر الذي يضع نشاطاتها تحت المراقبة من دون ان تحسب واشنطن أيضا حسابا للقلق من هذه الجماعة في معظم دول الشرق الأوسط ولاسيما في الدول الخليجية التي لا ترتاح لهذه الجماعة وتمنع التعاطي معها وتصنفها بأنها جماعة غير مرغوب فيها وأبرز هذه الدول السعودية الحليف الأبرز لواشنطن والامارات وغيرهما من دول الخليج العربي.
بعد الثورة المصرية الثانية على حكم الاخوان المسلمين وعزل الرئيس محمد مرسي ترددت الولايات المتحدة لفترة قصيرة لم تتجاوز الأسبوع لتسحب دعمها للرئيس محمد مرسي الذي لم يثبت طوال سنة من الحكم قدرة الجماعة على الصمود في السلطة رغم انها حصلت على كل ما سعت إليه من دعم مالي خارجي وسياسي.. ومع انتفاضة الشارع المصري بالملايين بل بعشرات الملايين ضد حكم مرسي وجماعته اضطرت الولايات المتحدة إلى الاستدارة دون أي حرج والى تأييد الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي كان آنذاك وزيرا للدفاع كل هذا التحول في الموقف الأمريكي وكل هذه الاستدارة المفاجئة والسريعة تمت تحت موقف لافت مفاده (أخطأنا التقدير)! إذاً لا تحرج الادارة الأمريكية أية استدارة أو أي تراجع عن موقف أو خطة سياسية أو تعديل لمسار خططها وبرامجها أو خوض غمار حرب أو انقلاب واضح على مبادئها!
مؤخرا لم تكن الادارة الأمريكية محرجة عندما أعلنت على لسان وزير خارجيتها جون كيري انها باتت مضطرة إلى الحوار مع الرئيس بشار الأسد.. فما المانع؟!
يضيف كيري من دون ان يتطرق –كما كان الأمر سابقا- إلى موضوع شرعية الرئيس الأسد أو المطالبة بتنحيه بتاتا في مقابلة تلفزيونية مع قناة cbshews يضيف قائلا: ان أمريكا ودولا أخرى تستطلع سبل إحياء العملية الدبلوماسية في سورية.
إذاً فجأة تحضر الدعوة للحوار مع الرئيس الأسد لا بل فتح الطريق أمام السلك الدبلوماسي الذي كان قد قاطع سورية بشكل تعسفي وظالم للعودة إليها لتفعيل العملية الدبلوماسية.
في تحليل هذا الموقف الأمريكي الجديد والذي يمكن ان يقال عنه (نوعياً) -طبعا إذا اقترن بالفعل- نرى ان الاتفاق النووي الايراني مع مجموعة الـ 5+1 يمكن ان يكون أحد أسباب هذا الموقف الأمريكي الجديد ولكن السبب الأكثر أهمية والجوهري هو ان الولايات المتحدة لم تستطع الوقوف أكثر ضد حقيقة واضحة مفادها ان الرئيس بشار الأسد يتمتع بشعبية كبيرة في بلاده وانه يمتلك جيشا قويا ومتماسكا وذا خبرة قتالية عالية ومعنويات مرتفعة مازال يقاتل منذ أربع سنوات وبالتالي استنتجت الادارة الأمريكية انه لايمكن الاستمرار في التصرف بأسلوب بعيد عن المشهد الواضح وبالتالي اضطرت إلى الاستدارة كما وسبق ان استدارت في مصر.
وبالتأكيد لو كان موقف سورية ضعيفا أو ان القوات المسلحة السورية الباسلة لم تصمد ولم تحرز انتصارات ميدانية على المجموعات الارهابية المسلحة التي تقودها وتوجهها غرف عمليات في تركيا والأردن يتواجد فيها ضباط وخبراء عسكريون أمريكيون وغربيون وسعوديون وقطريون وأردنيون لكانت الولايات المتحدة ظلت على موقفها المعروف بتعطيل أي جهد للوصول إلى حل سياسي –كما فعلت منذ بداية الأزمة- إلى جانب استمرار دعمها العسكري للمجموعات المسلحة. ولا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا ان الصمود السوري الأسطوري ساعد ايران في محادثاتها مع الغرب ومكنها من رفض فرض شروطه المجحفة عليها.
باختصار نخلص إلى القول: من باب معادلة القوي الذي يرسم المعادلات لا الذي يتأثر بها لا تشعر الولايات المتحدة بالحرج عندما تغير مواقفها على أية حال فسورية التي صمدت وتحمل شعبها أعباء كبيرة ودفع أثمانا باهظة من دماء أبنائه ومن قوته ولقمة عيشه من أجل الذود عن كرامته وقراره الوطني المستقل وحقه في ان يعيش بكرامة سورية هذه رحبت بالموقف الأمريكي الجديد ولكنها أعلنت ان الأقوال وحدها لا تكفي بل يجب ان تقترن بالأفعال.
*د.صياح عزام

‏07‏/04‏/2015
 


مشاركة :
طباعة