الاتحاد العام لنقابات العمال
الاتحاد العام لنقابات العمال

جريدة الاتحاد

الصفحة السابقة »

لماذا الاستثناء الأمريكي للسلاح النووي الإسرائيلي ؟ !

2015-03-31 20:30:40

لماذا الاستثناء الأمريكي للسلاح النووي الإسرائيلي ؟ !

د . إبراهيم الصعبي 

إن سياسة إسرائيل القائمة على مبدأ امتلاك القوة والتلويح باستخدامها في كل وقت ، واستخدام نظرية "الردع " هي السياسة التي مازالت تتحكم بعقلية مسؤوليها حتى يومنا الراهن ، فعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة وستين عاما على اغتصاب فلسطين وقيام إسرائيل ، وعلى الرغم من إدعاء حكامها الرغبة في تحقيق السلام في السنوات الأخيرة ، إلا أن الإنفاق العسكري الإسرائيلي مازال يتصاعد بوتيرة عالية ، وتشير آخر المعلومات إلى أن الموازنة العسكرية الإسرائيلية سوف تتضاعف حتى نهاية العام الحالي وما بعدها كما أكد ذلك بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي ، وارتباطا بانتهاج إسرائيل لهذه السياسة التسليحية العدوانية فقد امتلكت هذه الأخيرة ما لا يقل عن مئتي قنبلة نووية ورأس نووي منها ما هو استراتيجي ومنها ما هو تكتيكي ، واستنادا إلى امتلاكها لهذه القوة المدمرة يحاول حكامها المتطرفون فرض مفاهيمهم الخاصة بالسلام أو نظرتهم لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي بما يخدم كيانهم العنصري ويتنافى مع منطق العدل وأسس الشرعية الدولية .
ومع أن إسرائيل لم تعلن رسميا حتى اليوم عن امتلاكها للأسلحة النووية إلا أن ثمة تأكيدات عالمية متواصلة على أنها تملك هذا النوع من الأسلحة المدمرة منذ زمن بعيد ، وأن لديها ما يزيد عن المئتي قنبلة نووية ، بل أن الزلزال الذي وقع عام 1997 في منطقة جنوب فلسطين والأردن أكد أن سببه هو إجراء إسرائيل تجربة نووية تحت خليج العقبة في البحر الأحمر ، وهو ما أكده في حينه بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي وتناقلته الصحافة الإسرائيلية نفسها ، ناهيك عن الإشعاعات المستمرة المنبعثة من مفاعل ديمونا وتسببها في أمراض السرطان التي ظهرت بشكل لافت للانتباه في منطقة جنوب الأردن في السنوات الأخيرة ، وكذلك دفن إسرائيل للنفايات النووية في البحرين المتوسط والأحمر ، وكلها دلائل واضحة على امتلاكها لهذه الأسلحة ، وبالطبع فإن عدم اعتراف تل أبيب بشكل صريح بامتلاكها يعود إلى سببين : أولهما إخراج مسألة بحث نوع الأسلحة النووية من المنطقة من أي مفاوضات مستقبلية واردة مع العرب ، وثانيهما هو إرهاب العرب بسلاح رادع تشهره هذه الأخيرة في الوقت المناسب .
والمراقب لتطورات الأحداث في السنوات الأخيرة ، التي ادعت خلالها إسرائيل زورا وبهتانا أنها تتجه إلى ترسيخ ما يسمى بـ " ثقافة السلام " وتسعى إلى توقيع اتفاقيات للسلام مع الحرب ، سيجد أن الحكومات الإسرائيلية تعمل العكس تماما ، فهي مازالت تسعى لامتلاك أكثر الأسلحة تطورا في هذا المجال ، وتتجه حاليا لتكون الوحيدة المهيمنة على المنطقة من خلال امتلاك هذا النوع من السلاح المدمر وذلك بإرهاب العرب وكل من يخالف الإرادة الإسرائيلية وتخويفه باستخدام هذا السلاح الخطير . ومن المفارقات المدهشة في هذا الصدد أن تقوم الإدارة الأمريكية ، التي تدعي أنها الراعي النزيه في عملية السلام ، بدعم إسرائيل والتستر على أسلحتها النووية في كل مناسبة ، بل وتقديم كل أشكال الدعم العسكري وغير العسكري لها ، ويكفي أن نقرأ الأرقام الرسمية التي تشير إلى تلك المساعدات حتى نرى ذلك واضحا ، فالمعونات الأمريكية لإسرائيل تبلغ ثلاثة مليارات سنويا منها 1.2 مليار دولار معونة اقتصادية و 1.8 مليار دولار معونة عسكرية ، وحتى تلك التقارير التي أشارت إلى أن الطرفين اتفقا على إلغاء المساعدات الاقتصادية فقط لعدة سنوات قادمة تعتبر تقارير كاذبة لأن الواقع يشير إلى تحويل قيمة معظم المساعدات الاقتصادية على مساعدات عسكرية ، بالإضافة طبعا إلى التمويل الأمريكي المستمر للبرامج العسكرية الإسرائيلية .
ولاشك أن هذه السياسة الأمريكية التي تتعامى عن الحقائق سيكون لها إفرازاتها الخطيرة في المستقبل المنظور لأن ما يجري في العالم من انفلات نووي الآن ، وخصوصا بعد إجراء الهند وباكستان لتجاربهما النووية الأخيرة ، وما سيجري مستقبلا في ظل غياب الضوابط التي تضمن أمن العالم وسلامته ، سيهدد السلام العالمي باجمعه ، إذ أن انتشار السلاح النووي بشكل فوضوي سيؤدي حتما إلى استخدامه في ظل عالم مليء بالأزمات والصراعات والحروب ، ومثل هذا الاستخدام المتوقع على نطاق ضيق أو واسع سيؤدي بدون أدنى شك إلى فناء الجنس البشري أو على الأقل تدمير جزء كبير من هذا العالم . ولعل أكثر ما يدعو للدهشة والاستغراب في سياسة الإدارة الأمريكية تجاه هذا الموضوع هو موقفها من الهند ، التي دخلت النادي النووي مؤخرا ورفضت التوقيع على تجديد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وإنتاجها إلا في حال توقيع جميع دول العالم عليها بما فيها الدول الكبرى المكونة للنادي النووي ، فقد تعرضت الهند لانتقادات شديدة من قبل أمريكا ، بينما لم تقم واشنطن بانتقاد إسرائيل بل على العكس تحاول التستر على امتلاكها للأسلحة النووية وتهدد كل من يحاول فتح ملفها .
ومما يدعو للأسف أكثر أن هذه الازدواجية في المعايير لم تقف عند هذا الحد ، بل أن الإدارة الأمريكية لم تتوان لحظة واحدة عن اللجوء إلى مختلف الأساليب الصارمة بحق الدول بما في ذلك استخدام القوة والتلويح باستخدامها لمجرد وجود شكوك بالشروع في إنتاج أسلحة دفاعية ، مثلما حصل مع العراق إثر اتهامه بإنتاج أسلحة دمار شامل ، فعلى الرغم من أن تقارير لجان التفتيش الدولية لم تجد حتى اللحظة ما يبرهن على تلك الشكوك إلا أن الإدارة الأمريكية أصرت على موقفها وغزت العراق بهذه الحجج ، في حين لا تحرك ساكنا تجاه إسرائيل التي تملك ليس الأسلحة الكيماوية فحسب بل كل أنواع أسلحة الدمار الشامل ، وهذا الاستثناء الأمريكي عدا عن كونه يشكل مخالفة للقانون الدولي وتحديا لقوانين الشرعية الدولية فإنه في الوقت نفسه يدفع الكثير من شعوب العالم وحكوماته للشعور بالظلم وبازدواجية المعايير ويجعلها تفكر جديا لامتلاك أسلحة رادعة تحافظ بها على جهودها . وسياسة الكيل بمكيالين قد برزت واضحة في المؤتمر الدولي لتجديد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الذي انعقد في نيويورك ، فالمؤتمر لم يكن حازما تجاه بعض الدول للأخذ بتوصياته وقراراته ، بل أن أمريكا حاولت وبشكل مقصود أن يتجنب المؤتمر ذكر إسرائيل بالاسم ورفضت أن يطالب المؤتمر هذه الأخيرة بإدراج مفاعلاتها النووية على جدول أعماله ، مما أدى إلى استياء دولي واسع النطاق ، بسبب الموقف الشاذ وغير المفهوم للإدارة الأمريكية تجاه الموضوع الإسرائيلي ، وهو ما دفع المراقبين إلى البحث عن سبب منطقي لهذه السياسة الأمريكية ، وتساؤلهم عن معنى أن تطلب أمريكا من الجمهورية الإيرانية بالتخلي عن برنامجها النووي السلمي من ناحية وتتستر على إسرائيل وتزودها بأحدث الأسلحة من ناحية أخرى . 
إن خلاصة ما يمكن قوله هو أن المطلوب من المجتمع الدولي النظر إلى هذا الموضوع من زاوية موضوعية ورؤية واقعية تشير إلى أن مخاطر امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية ستكون عواقبه وخيمة ليس على العرب وحدهم بل على الأمن العالمي كله ، وبالتالي فإن على العالم أن يحشد كل طاقاته ووسائل ضغطه كافة لإجبار إسرائيل على التوقيع على اتفاقية نزع الأسلحة النووية والسماح فورا للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش مفاعلاتها النووية .

 


مشاركة :
طباعة