اليوم يمكن لأي تغريدة ناقدة أن ترمي مواطناً خليجيّاً شاباً خلف القضبان وقريباً سيكون لنشوء "الدول البوليسية" في الخليج في فترة التحديث السريع وتكنولوجيات الاتصالات القوية الجديدة نتائج خطرة على العقود الاجتماعية وصيغ الشرعية للحكام المتعددين.
ويمكن في ظل تحريض كل من البحرين ومملكة آل سعود بشكل فاعل على النزاع الطائفي أن تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة في حين أن الإمارات وقطر اليوم في مهب حرب باردة مع بعضهما حول أسلوب التعامل مع الإسلام السياسي والخلافات بينهما حول توصيف جماعة الإخوان المسلمين فيما نلاحظ على الجبهة الاقتصادية أن جهود التنويع لم تصل بعيداً من صادرات النفط والغاز إلى أي نتيجة بعد في ظل اندفاع الممالك الخليجية كافة تقريباً إلى نقطة يتجاوز فيها إنفاق حكوماتها الذي ارتفع بشكل هائل منذ بداية أحداث ما سمي الربيع العربي العائدات النفطية المتدنية.
إن أسعار النفط التي تتهاوى بسرعة في أعقاب التطورات الكبرى في إنتاج النفط في الولايات المتحدة ترك أثره على تدهور الوضع فيما اليوم أسعار النفط متساوية في أكثر من نصف هذه الدول وهي أعلى من أسعار النفط الحالية وقريباً جداً ربما في الأشهر القليلة المقبلة سنرى أن الكثير من الممالك الخليجية ستضطر إلى خفض المعونات وغيرها من عمليات نقل الثروات إلى مواطنيها وهو حدث مهم سيكون له تأثير عميق ونهائي على الأغلب في شرعية الممالك الخليجية.
وفيما يخص الخلافات وبالأصح القطيعة القطرية الخليجية وخصوصا القطرية السعودية يرجح متابعون ومراقبون أن يكون الخلاف بينهما خلافاً مزمناً لسببين الأول الخلاف بين مشروعين إسلاميين وسعي كلّ منهما لتزعّم مشروع منافس للمشروع الآخر حيث تدعم قطر المشروع الإسلامي //جماعة الإخوان المسلمين// بينما السعودية من جهتها لديها مشروعها الإسلامي الخاص وهذا المشروع كان أساس الكثير من الأحلاف والتكتلات ذات الطابع الإسلامي منذ قيام الحلف الإسلامي في مواجهة عبد الناصر وحركة التحرّر الوطني العربي في ستينيات القرن الماضي.
السبب الثاني للخلاف أنّ لدى قطر مصالح مشتركة مع إيران حيث تمّ بشكل مشترك استثمار حقول النفط والغاز في المياه القريبة من حدود البلدين ناهيك عن أنّ قطر لا تؤمن بأنّ سياسة العداء المطلق لإيران ذات جدوى فعلية لأنها تستنزف طاقات دول المنطقة وتتحوّل إلى خطر يهدّد أمنها ووجودها وهذه الأسباب للخلاف تؤكد أنّ أيّ محاولات تبذل لرأب الصراع بين البلدين سيكون مصيرها الفشل.
إن الممالك الخليجية الست تواجه ضغوطات متصاعدة داخليا وخارجيا فهي أمام تناقص احتياطيات البترول وارتفاع أنماط استهلاك الطاقة والزيادة السكانية الأعلى تقريبا في العالم ولن تتمكن الممالك الخليجية من الحفاظ على مستويات الرفاهية التي يتمتع بها مواطنوها كما تشهد ارتفاع معدلات البطالة مع انعدام الشفافية والاستمرار في التبذير الحكومي على مشروعات عديمة الفائدة الاقتصادية كشراء أندية كرة قدم أوروبية وبناء ناطحات سحاب بقوة تشغيلية لوحداتها السكنية والإدارية ضعيفة وإنشاء شركات طيران متعددة رغم ضعف سوق الطيران في الخليج بدلا من إنشاء شركة واحدة تجمع الدول الست إلى جانب التمييز ضد المواطنين فضلا عن تواجد قواعد عسكرية سرية وعلنية للدول الغربية في ممالك الخليج الأمر الذي يثير حفيظة المواطنين خاصة مع ما يستشعرونه من محاباة حكوماتهم للأجانب داخل بلادهم.
وخارجيا تتدخل ممالك الخليج كثيرا بعلاقاتها وقدراتها المالية لحسم الكثير من النزاعات في العالم وتجاهر بالعداء الصريح لإيران وتلوح أحيانا باستعدادها للحرب فضلا عن العلاقات الخليجية الإسرائيلية المتنامية ضد رغبة المواطنين والأهم من ذلك هو عدم ثقة الممالك الخليجية ببعضها البعض والنزاعات الحدودية كالنزاع بين الإمارات والسعودية وبين عمان والإمارات مع دعم بعض هذه الدول لانقلابات القصور في الدول الأخرى وفشل مجلس التعاون الخليجي في أن يكون قوة سياسية واقتصادية إقليمية حقيقية على غرار الاتحاد الأوروبي بعدما فشلت عملته الموحدة.
إن ممالك الخليج عمدت إلى تدريس التاريخ بصورة مشوهة أو مغلوطة إضافة إلى غياب بعض مجالات العلوم السياسية والقانون في جامعاتها الأمر الذي ساهم في تخريج الكثير من الدارسين غير المتعلمين مع فرض رقابة صارمة على الأجانب كل ذلك لم يمنع المواطنين في عصر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي رغم محاولات الحجب والتضييق من فرض كثير من التساؤلات عن فساد حكوماتهم وتبذير الحكام .
في النهاية فإن أي حركة احتجاجية قوية في أي مملكة من الممالك الخليجية خاصة السعودية بحكم كونها الأكبر والأغني ستنتشر سريعا في الممالك الخمس الأخرى خاصة بعد تآكل الفوائض المالية نتيجة سياسات التقشف الحالية من رفع الدعم علي المحروقات وإقرار ضرائب على المواطنين لأول مرة في الكثير من تلك الممالك ما يعجل بانهيارها.
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
حافظ حيدر