يبدو أن ما اصطلح على تسميتهم "الذئاب المنفردة" في أوروبا، في إشارة إلى الإرهابيين، لم يعد كافياً لوصف الواقع الذي وصلت إليه الحالة الإرهابية في القارة العجوز، الإرهاب العالمي ذاته، وإن اختلفت تسمياته وفق المعايير الغربية المزوجة التي "كسرت عنق اللغات"؛ لتصنع مصطلحات تغطي بها جرائم الإرهابيين الذين ينفذون أجنداتها، ويخدمون مصالحها، وخاصة في سورية، "ذئاب أوروبا المنفردة"، هم ذاتهم "حملان المعارضات المعتدلة" في مناطق أخرى، حقيقة على الحكومات الغربية الاعتراف بها أمام شعوبها، والعمل بجدية على درء خطر القادم الذي يهدد أمن بلدانهم بشكل مباشر، وبقوة أكبر من أي وقت مضى، فالجميع يرى كيف تزداد العمليات الإرهابية التي تضرب المدن الأوروبية، والزيادة عددية ونوعية، فهل الصحوة الأوروبية قريبة؟ وماذا بعد أن عبرت الحرب في سورية، وبدأ التعافي يتسيّد المشهد؟.
في وقت ارتفعت أعلام 43 دولة؛ من بينها دول تفرض عقوبات اقتصادية على سورية في سماء معرض دمشق الدولي؛ ومعزوفة رايات النصر على الإرهاب تصدح على مسامع العالم، كان أزيز الرصاص يعلو في شوارع برشلونة؛ والدماء تسيل على أرصفتها في عمليتين إرهابيتين متتاليتين، واحدة من عشرات العمليات الإرهابية التي لم تسلم منها أي دولة أوروبية، إلا أن اسبانيا لم تشهد مثل هذه الحوادث من قبل على عكس فرنسا وألمانيا وبلجيكا وغيرها، فهل يرى الأوروبيون هذا التطور اللافت في اتساع الخطر الداهم؟.
استطاعت "الذئاب المنفردة" تنفيذ عمليات إرهابية متعددة بأشكال ومواقع مختلفة في أنحاء أوروبا، فكيف الحال بتلك البلدان في حال ثبتت تنبوءات التقرير المسمى بـ"شبكة التوعية بالراديكالية" الذي أعدته اللجنة الأوروبية؟، ويتوقع وفق ما نقلت عنه وكالة ATS السويسرية، بأن زهاء 3 آلاف مسلح أوروبي من أصول مختلفة، من تنظيمي "داعش" و"النصرة" الإرهابيين، قد يصلون أوروبا في وقت غير بعيد.
التوقعات بعودة آلاف الإرهابيين إلى "حضن أوطانهم الأصلية"، تضع منظري الحركات الراديكالية أمام امتحان اختيار تسمية جديدة لهم، فتسمية "الذئاب المنفردة" لن تكون صالحة في أوروبا، هؤلاء العائدون من مهامهم التي نفذوها في سورية والعراق، كانوا ضمن أكبر تنظيمين إرهابيين في المنطقة هما "داعش" و"النصرة"، فهل يعقل أن يكونوا "ذئاباً منفردة"، أم هم "قطعان ذئاب" بإطار تنظيمي، وخاصة أنهم عائدون وعائلاتهم؟.
التقرير الأوروبي حذر من أن يزداد عدد الإرهابيين العائدين إلى الدول الأوروبية بشكل كبير في حال تم دحر التنظيمات الإرهابية، هذا الكلام يؤكد أن دحر التنظيمات الإرهابية ليس هدفاً للحكومات الأوروبية التي تضع رأسها في التراب كنعامة لا تريد رؤية الحقيقة، بل هدفها إلى الآن الاستثمار فيه، فلو كانت حقا تريد القضاء على الإرهاب واجتثاثه من جذوره، ومنع خطره عن شعوبها، لكانت اتجهت بكل وضوح إلى التنسيق مع دمشق، ومدت يدها باتجاه الحلف القوي الذي يحارب الإرهاب فعلاً، المتمثل بسورية وروسيا وإيران ومعهم المقاومة اللبنانية وكل الأصدقاء الداعمين لهم.
في جانب منه يتحدث التقرير الأوروبي عن أكثر من 42 ألف إرهابي من 120 دولة انضموا إلى "داعش"، في الفترة ما بين الأعوام 2011 و2016، ويقول إن أكثر من 5 آلاف جاؤوا من الدول الأوروبية، بلجيكا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، والنمسا، والدنمارك، وفنلندا، وإيطاليا، وهولندا، وإسبانيا والسويد، ويضيف إن نحو 20 بالمئة منهم قتلوا في المعارك، وحوالي 30-35 بالمئة رجعوا إلى بيوتهم، و50 بالمئة لا يزالون في سورية والعراق، فكيف سيكون حال الأوروبيين وهم ينتظرون وصول باقي الإرهابيين الفارين من سورية والعراق، وقد بات دحرهم قاب قوسين أو أدنى؟.
معدو التقرير اعتبروا أن رجوع الإرهابيين يشكل "قلقاً بالغاً ومتزايداً" لأوروبا بسبب مشاركتهم في هجمات إرهابية بباريس وبروكسل وبرلين وغيرهم، ما يضع الحكومات الغربية أمام واقع عليهم التعامل معه بسرعة، وطريقهم واضح إن كانت الإرادة أو حتى الرغبة متوفرة، وإلى الآن لم يتقدم المسؤولون الأوربيون أي خطوة حقيقية علنية في الاتجاه الصحيح، وإن كان يثار بعض الأحاديث عن زيارات سرية إلى دمشق من هنا وهناك، أو اتصال عبر طرف ثالث، أو وفود على شكل غير رسمي، مؤشرات على محدوديتها، تؤكد أنهم يعرفون الحقيقية، ويستشعرون الخطر، ويحتاجون لطرق أبواب دمشق، لكنهم إلى الآن لم يمتلكوا شجاعة الاعتراف، وإلى ذلك الحين ستدفع شعوبهم أثمان ما صنعت أيدي تلك الحكومات، كما سيخسرون الوقت الذي يمضي مسرعاً، وفق ما أعلنت ساعات دمشق الأخيرة من على أرض معرض دمشق الدولي.
المصدر : جريدة كفاح العمال الاشتراكي
شادبة اسبر