هناك الكثير من العمال يعملون برواتب قليلة جداً وإن صح التعبير تعتبر شبه معدومة، خصوصا العمال في القطاع الإنتاجي، فعمال محالج القطن "الذهب الأبيض" في سورية هم من هؤلاء العمال الذي يعملون برواتب ضعيفة في ظل تحمل الكثير من الأعباء والخطر على حياتهم إضافة إلى الجهد العضلي الشاق الذي يسبب لهم الكثير من الأمراض الصحية، فالذهب الأبيض لم يدر خلال الأزمة بأي فوائد على العمال تساعدهم في التغلب على الظروف المعيشية الصعبة.
الراتب لا يكف أجور المواصلات
يعاني عمال محالج القطن من ضعف الراتب "الشحيح" حيث أن مئات العمال من عمال المحالج يتقاضون راتب 17 ألف ليرة سورية مقابل مجهود كبير في ظل ظروف العمل الصعبة.
فطالب عمال المحالج بزيادة إضافية وكبيرة على الراتب الحالي الذي يتقاضونه مؤكدين أن هذا الأجر لا يكفي أجوراً للمواصلات من العمل إلى المنزل وبالعكس، لكن ظروف الحياة الصعبة وضيق الأحوال المعيشية أجبرتهم على العمل في هذه الظروف مقابل هذا الأجر.
حوافز ما في!
ربما أن من وضع القانون الأساسي للعاملين لم يراع الظروف الصعبة التي يعمل بها الكثير من العمال ومنهم عمال المحالج "فنين ومهنين" والذين يعملون لساعات طويلة خلف آلاتهم مسببة لهم الكثير من الإرهاق والمتاعب الصحية، فعمال المحالج طالبوا برفع قيمة الحوافز المتدنية أو المعدومة إن صح التعبير التي لاتعادل شيئاً في ظل غلاء المعيشة بسبب الظروف الاقتصادية التي تمر بها سورية فوصف أحد العمال ضعف الحوافز والراتب بقوله "أي حوافز" و"أي راتب " فهذا لا يمكن أن نسميته راتبا وإنما يجب أن يكون عبارة عن مكافأة شهرية مقابل التعب المبذول.
وقد أكد رئيس الاتحاد المهني لنقابات عمال الغزل والنسيج عمر الحلو على المطالبة الدائمة من قبل الاتحاد من أجل زيادة الحوافز الإنتاجية والراتب للعمال لأن الأجور المتدنية تؤدي إلى عدم جذب العمال للعمل ضمن هذه المنشآت ما يؤدي إلى وجود خلل في عدد الأيدي العاملة المتواجدة في المحالج ما يؤدي إلى تحمل العمال الكثير من الأعباء الإضافية.
تسرب الأيدي العاملة
لا بد أن الحوافز الإنتاجية الضئيلة والراتب الذي لا يكفي شيئاً (متل قلته) على حد تعبير الكثير من العمال أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تسرب العمال من عملهم وتركهم للعمل في هذه المنشآت بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي تحتاج إلى الكثير من التكاليف، فنلاحظ تسرب عدد كبير من العمال حيث وصل عدد العمال الموسميين قبل الظروف الحالية إلى 7000 عامل أما الآن فلا يتجاوز عددهم 500 عامل في حين وصل عدد العمال الدائمين قبل الأزمة إلى 1810 عمال بينما الآن لا يتجاوز عددهم 970 عاملاً الأمر الذي يشير إلى التسرب العمالي الكبير إلى حد النصف.
وقد أكد الحلو أن معظم العمال تسربوا بسبب ضعف الرواتب في ظل الظروف المعيشية الصعبة وعدم قدرة العمال على تحمل الأعباء الحياتية التي تتطلب الكثير من التكاليف، مبيناً أن نظام الحوافز القديم والحد الأدنى للأجور الذي يتم تعيين العمال على أساسه سيؤدي إلى خسارة الكثير من العمال.
المسابقات لا تستقطب العمال
ليس بالغريب أن لا تستقطب المسابقات في هذه المنشآت العمال بسبب صعوبة العمل على الآلات إضافة إلى مجموعة من الأمراض التي من الممكن أن تصيب العمال دون وجود أي تأمين صحي أو راتب جيد يساعد هؤلاء العمال في الحفاظ على حياة سليمة خالية من الأمراض والمخاطر إضافة إلى أن معظم المسابقات تتطلب الشهادة العلمية العالية.
وبين الحلو أنه تم إجراء الكثير من المسابقات في معظم المحالج والمنشآت النسيجية إلا أنها لم تستقطب الكثير من الأيدي بسبب الراتب الضعيف إضافة إلى تطلب معظمها الشهادة العلمية العالية وهذا الأمر الذي لن يقبل به أصحاب الشهادات العليا مبيناً أنه تمت المطالبة في العديد من المجالس مع الجهات المعنية بتخفيض مستوى الشهادة العلمية لأن العمل في هذه المنشآت يحتاج إلى الجهد العضلي ولا يحتاج إلى مؤهل علمي.
قدم الآلات
لن ننكر دور الحصار الاقتصادي الذي فرضته الدول الغربية على سورية بسبب الظروف الحالية والحرب التي تشنها الدول الغربية على سورية من الناحية الاقتصادي التي عملت على منعها من شراء الآلات الجديدة خلال سبع سنوات ما أدى إلى تراجع الإنتاج في كثير من المنشآت بسبب قدم آلاتها وحاجاتها إلى كثير من الإصلاحات.
وقد أكد مدير المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان زاهر العتال في تصريح لـ "الاشتراكي" أن قدم الآلات وعدم وجود قطع تبديل لكثير من الآلات من أهم العوائق التي تعترض سير العملية الإنتاجية وتؤدي إلى تأخرها لافتاً إلى دور العمال في إعادة إصلاح وتأهيل الكثير من الآلات التي تعرضت لأعطال خلال السنوات السابقة.
هذا الأمر الذي يجب أن تتفاداه الحكومة ووزارة الصناعة بعد قرار شراء الآلات المستعملة وما حصل حوله من كثير من الجدل والتبريرات للحفاظ على القطع الأجنبية لكن هل من الممكن رفع وتيرة الإنتاج وزيادتها بهذه الآلات المستعلمة وخاصة من الممكن أن تتعرض هذه الآلات لكثير من الأعطال ولاسيما أن الكثير منها عمل لفترة ليست بالقصيرة في الدول التي استوردت منها.
التثبيت أهم مطالب العمال
يأتي مطلب تثبيت العمال في مقدمة مطالبهم فهم يعملون بالعقود الموسمية وبالحد الأدنى للأجور الذي يحرمهم من التعويض المعيشي ويجعلهم يعملون مقابل راتب ضئيل إضافة إلى حرمانهم من الترفيعات الإدارية أو الاستفادة من أي زيادة على الرواتب.
وقد ذكر أحد العمال "الحراس" في أحد المحالج أنهم يعملون منذ أكثر من عشر سنوات ولم يصدر أي أمر بتثبيتهم أو زيادة رواتبهم فالراتب لم يطرأ عليه أي زيادات منذ أن تم تعيينهم وهذا الحال لا يتناسب مع الوضع المعيشي الراهن .
كما اشتكى السائقون التابعون للمؤسسة من الأمر ذاته فالعمل الخطر في ظل استهداف المجموعات الإرهابية المسلحة لهم لم يأت بنتيجة ولم يتم تثبيتهم حتى الآن بعد أكثر من عشر سنوات عمل.
نقص المواد الأولية
بعد أن سيطرت المجموعات الإرهابية على أكثر من عشرة محالج للقطن في المنطقة الشرقية وحلب عمدت إلى منع الأهالي في المحافظات الشرقية من زرع أرضهم ومن استطاع زرعها منعته من تسليم محصوله إلى محالج الدولة، الأمر الذي أثر على كمية الأقطان المسلمة إلى المحالج حتى وصلت إلى 265 طنا بعد أن كانت تصل الكميات إلى 75278 طنا.
نقص تسليم الأقطان إلى المحالج أدى إلى توقف العديد من المحالج عن العمل أو عملها لفترة محدودة بسبب عدم القدرة على تشغيل المحلج في دورة إنتاجية واحدة الأمر الذي يؤدي إلى نقص في الكميات المنتجة وما يلحقه من آثار سلبية على العمال وعدم عملهم إلا ضمن عقود موسمية ضعيفة الأجر.
عدم وجود آلات للنقل
بعد استهداف العديد من المحالج في معظم المحافظات من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة عمدت إلى استهداف آليات نقل العمال وتخريبها وحرقها الأمر الذي كلف العمال المزيد من الأعباء بتحمل أجور النقل للوصول إلى عملهم.
وقد بين العتال أنه بعد استهداف العديد من فروع وشركات المحالج في معظم المحافظات من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة تقلص عدد الآلات التابعة للمؤسسة دون وجود إمكانية لتعويض الآليات التي تم تدميرها في ظل هذه الظروف إضافة إلى قدم الكثير من آليات النقل التي تتعرض لكثير من الأعطال.
خسائر كثيرة
الضعف في أجور العمال وتسربهم من عملهم ليعملوا في مجالات أكثر دخلاً أدت إلى خسارة الشركة الكثير من الخبرات الفنية والعمالية الذين عملوا لفترات طويلة ضمن المحالج الأمر الذي أثر في كثير من الدورات الإنتاجية على كمية الإنتاج إضافة إلى عدم التمكن من إصلاح بعض الأعطال.
وقد بين العتال أن الأضرار التقديرية الأولية لخسائر مؤسسة معالج القطن بلغت نحو 53مليار ليرة سورية حيث قامت المجموعات الإرهابية المسلحة بحرق أكثر من 471ألف طن من القطن المحبوب وأكثر من 147ألف طن من القطن المحلوج و32ألف طن من بذور القطن إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنى والشركات والآليات بعد تدميرها من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة.
مواسم مبشرة فهل من حلول
بعد أن تحررت مدينة دير الزور والكثير من أريافها وأرياف حلب من قبل الجيش العربي السوري وعودة الأهالي إلى أراضيهم من أجل زراعتها بعد أن قدمت الحكومة للفلاحين الكثير من وسائل المساعدة لدعم الزراعة، أشار العتال إلى أن العام القادم يحمل في طياته بشائر باستلام كميات جيدة من الأقطان مشيراً إلى تقديم البذار والأكياس اللازمة لتعبئة الأقطان مجاناً للمزارعين إضافة إلى تحديد سعر تشجيعي للقطن المحبوب ب300ليرة للكيلو الواحد.
الأمر الذي من المفترض أن ينعكس إيجابياً على أحوال العمال والمكافآت المقدمة لهم للاستمرار في عملهم للمحافظة على إنتاج الشركات التابعة لمؤسسة معالج القطن إضافة إلى زيادة عمل الشركات والمصانع التي يقوم إنتاجها على الأقطان المحلوجة.
مجموعة من المطالب العمالية التي يناشد بها عمال معالج القطن الجهات المعنية ليتمكنوا من الاستمرار في عملهم ومواجهة الظروف المعيشية الصعبة وتجاوز العوائق التي تعترضهم في سير عملهم فهل من الممكن تغير واقع هؤلاء العمال بعد أن عادت مجموعة من الشركات إلى العمل وعودة المزارعين إلى حقولهم.
محمود العيسى
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي