يشكل عمال القطاع الخاص النسبة الأكبر من قوة العمل في السوق السورية حيث تشير آخر الإحصائيات إلى وجود مليون و175 ألف عامل في القطاع الخاص مقابل مليون و140 ألف عامل في القطاع العام و350 ألف عامل في القطاع المشترك.
ولقد كان لعمال القطاع الخاص وعلى مدى عقود الدور الأهم في استمرار الصناعات المختلفة وأهمها الصناعات النسيجية التي احتلت مراتب متقدمة واستطاعت أن تنافس منتجات الدول الأخرى في الأسواق الخارجية..هذا إلى جانب الصناعات الهندسية والكيميائية ناهيك عن الصناعات الغذائية التي هي الأخرى شهدت تطوراً ملحوظاً..هذا إلى جانب عمال البناء والخدمات وعمال السياحة وغيرهم الكثير..
الأمر الذي يشير إلى أن مساهمة مهمة وفاعلة لعمال القطاع الخاص في استمرار عمل المنشآت وتطورها ونماءها ما انعكس إيجاباً على نمو رأس المال الخاص في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية وازدهاره، لكن المفارقة هنا أن جزءاً كبيراً من عمال القطاع الخاص بقي لسنوات طويلة يعمل دون أن يكون قادراً على المطالبة بحقوقه أو أن يتمكن من السعي لتطوير معيشته الحياتية، وبقيت ظروف حياته رهن برضا صاحب العمل وما يتكرم به على العامل إذا أراد ذلك.
إلا أن ما يستوجب الحديث هنا هو أن عدد العمال الذين انتسبوا إلى نقابات العمال بمختلف المجالات لا يزيد عن 400 ألف عامل من أصل مليون و175 ألف عامل ما يشير إلى أن أكثر من 70% من عمال القطاع الخاص ما زالوا خارج المظلة النقابية، وبالتالي هؤلاء وهم النسبة الأكبر التي بالتأكيد تواجه متاعب مع أصحاب العمل دون أن تكون قادرة على تحصيل حقوقها أو امتيازاتها، بسبب كونها غير منتسبة للنقابات.
وتشير مصادر الاتحاد العام لنقابات العمال إلى وجود معوقات كثيرة تواجه عمال القطاع الخاص أهمها استمرار أصحاب العمل بالتهرب من تسجيل عمالهم في دوائر التأمينات الاجتماعية وكذلك عدم السماح لهم بالانتساب إلى نقابات العمال، هذا إلى جانب أن هناك ظروف عمل غير مناسبة أو بمعنى آخر أن بعض أصحاب العمل لا يوفرون ظروف عمل مناسبة ما يضطر العامل للقبول بأي شيء تحت ضغط الحاجة للعمل وكسب مصدر رزق له ولعائلته، هذا إلى جانب قيام بعض أصحاب العمل بتسريح بعض العمال تسريحاً تعسفياً، دون أن يكون لدى العامل الحق بالاعتراض أو حتى الشكوى لأي جهة، فبعض أصحاب العمل ما زالوا يوقعون العامل على استقالته قبل أن يباشر بالعمل، هذا إلى جانب تشغيله لساعات عمل أطول دون تعويض أو احتساب عمل إضافي..هذا إلى جانب اللباس والوجبة الغذائية وتعويض النقل والضمان الصحي والسكن العمالي وغير ذلك من المزايا التي نجد أن معظم عمال القطاع الخاص محرومون منها نتيجة سلوك بعض أصحاب العمل وسوء معاملتهم لعمالهم.
أيضاً هناك ظروف عمل تفرض نفسها على طبيعة العمل حيث نجد مثلاً عمال العتالة وهي من المهن التي يمكن تصنيفها من بين المهن الخطرة، وهناك مشكلة حقيقية تتمثل في أن بعض عمال العتالة يعملون مع مقاولين وهؤلاء عقودهم تسمى عقود تأدية خدمة فعملهم ليس مستقراً على مدار العام وبالتالي لا يمكن الاشتراك عنهم بالتأمينات الاجتماعية عن راتب تقاعدي، وفقط هؤلاء يحصلون على تعويض إصابة عمل، ولحل هذه المشكلة اقتراح الاتحاد العام لنقابات العمال إحداث صندوق للراتب التقاعدي لعمال المهن الخطرة والتي ليس لها عقود عمل مستمرة على مدار العام وذلك لمساعدتهم في الحصول على راتب تقاعدي يعينهم بعد توقفهم عن العمل..لكن هذه التجربة لم يكتب لها النجاح وتوقفت بسبب ظروف الحرب العدوانية على سورية.
على العموم يجد الاتحاد العام لنقابات العمال إن قانون العمل رقم 17 لعام 2010 كان بحاجة لتعديل منذ اللحظة الأولى لصدوره بالنظر إلى حجم الملاحظات التي وردت على بعض مواده من قبل أصحاب العمل ومن قبل ممثلي العمال، حيث أنه لم يكن ليرضي أحداً، وكان الهدف من ذلك هو ضمان حقوق كل أطراف العملية الإنتاجية دون أن يطغى طرف على آخر وبحيث تسير العملية الإنتاجية بيسر وبدون مصاعب أو متاعب ناشئة عن نزاعات بين أصحاب العمل والعمال.
بحيث لم يحظ أي قانون قبل صدوره كمشروع وبعد صدوره كقانون بانتقادات ومطالبات بتعديله مثلما حظي قانون العمل رقم 17 لعام 2010 الذي ألغى قانون العمل الموحد رقم 91 لعام 1959 وتعديلاته، وألغى معه المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 1962 وتعديلاته، الذي يحدد أصول تسريح العمال.. وأصبح بالتالي قانوناً غير قابل للتنفيذ، ومس بالحقوق المكتسبة للطبقة العاملة التي ترسخت على مدى خمسين عاماً في ظل القانون رقم 91 لعام 1959 وتعديلاته.
ويرى الاتحاد العام لنقابات العمال أن الآلية السابقة التي كان معمول بها بموجب القانون رقم 49 لعام 1962 الخاصة بتسريح العمال كانت أفضل من الآلية الحالية التي نص عليها القانون رقم 17 لعام 2010 المتمثلة بالمحاكم العمالية والتي يرأسها قاضي وتضم في عضويتها ممثلين عن العمال وأصحاب العمل.
هذا إلى جانب العديد من المواد التي لا تنصف العامل والتي وضعت في حينها تحت شعار (تشجيع الاستثمار) حيث كان الهدف هو تشجيع أصحاب العمل على القيام بمشاريع استثمارية دون أن يكون لديهم خوف من قضية العمال وتمكينهم من التحكم بالعامل بشكل كبير، دون أن يكون للعامل هامش حرية للمطالبة بحقوقه.
وعلى ذلك فإن مساعي الاتحاد العام لنقابات العمال ومجمل اتحادات المحافظات والنقابات منصبة اليوم على جملة من المحاور التي من شأنها تحسين واقع العمل في القطاع الخاص منها أولاً السعي لتشميل أكبر عدد من العمال في مظلة النقابات وهناك جهود حالياً تبذل في هذا الاتجاه.
إلى جانب المطالبة بتعديل القانون رقم 17، وحالياً هناك لجنة تم تشكيلها بهذا الخصوص، وتمت تسمية ممثلي اتحاد نقابات العمال مهمتها إعادة صياغة القانون من جديد، بما يساهم في تجاوز ما هو غير مناسب من المواد المتضمنة فيه، والعمل على اقتراح نصوص ذات مضامين أفضل تساهم في عدم هضم حقوق أي من أطراف العمل، وتمكين العامل من الحصول على حقوقه..ومنها حقه في التسجيل بالتأمينات الاجتماعية لضمان حقوقه التقاعدية وغيرها، وهذا يحتاج إلى نصوص ملزمة لأصحاب العمل والحد من تهربهم، ولدوائر التأمينات الاجتماعية في المتابعة وحصر كل الحالات والعمل على تشميل كل العمال بمظلة التأمينات الاجتماعية.
إن الاهتمام بعمال القطاع الخاص ينطلق من أهمية تأمين ظروف عمل مناسبة ومستقرة لهذه الشريحة من قوة العمل التي تواجه متاعب وصعوبات كثيرة ناجمة عن عدم الوضوح في علاقة العمل نفسها مع أصحاب العمل وسعي بعضهم لاعتبار العامل عندهم ملكاً لهم، وأنه لهم الحق في استثمار قوة عمله بالشكل الذي يرونه مناسباً بعيداً عن أية أطر قانونية أو تشريعية، بحيث يفرضون شروط عمل تنطلق من رؤيتهم الخاصة ومن مصالحهم الشخصية، ومن هذه الاعتبارات الضيقة في التعامل مع الطبقات الفقيرة والمحتاجة.