الفساد من أكثر الآفات التي تهدد المجتمع فإذا شاع في بلد ما كان مصيره التفكك والانحلال وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وازدياد الفقر وتدهور أوضاع الوطن والمواطنين.
والحديث عن الفساد كثر في هذه الأيام نتيجة تطبيق العولمة واقتصاد السوق واحتكار الشركات العالمية.
وتتحدث مختلف وسائل الإعلام اليوم الوطنية والقومية العربية والأجنبية عن انتشار ظاهرة الفساد في كل مكان وعن حملات ملاحقته ومكافحته في كثير من الدول ونسمع عن اتهامات وملاحقات ومحاكمات للفساد تطال الكثير من الناس على اختلاف مراتبهم في المجتمع أو مناصبهم في العديد من الدول وظنوا أن المنصب في السلطة يحميهم من الاتهام والملاحقة على مرتكبيه من فساد وشرور.
إن ما نسمعه ونراه من مظاهر الفساد يدعونا إلى طرح الكثير من التساؤلات والتي لعل من أبرزها:
- هل الفساد ظاهرة حديثة.. وهل خلت العصور السابقة من هذه الظاهرة.
- وهل كان الناس في الماضي أفضل وأكثر استقامة من الناس اليوم.. وهل وجد في الماضي مجتمع فاضل لا مكان فيه للفساد؟.
- وهل يختلف مفهوم الفساد باختلاف المكان والزمان أم هو من الثوابت التي لا تتغير مهما تغيرت الظروف والأحوال.
وهل صحيح ما يقوله البعض بأن قليلاً من الفساد ومن الضرورات التي يحتاجها المجتمع لتذليل بعض العقبات والمعوقات الإدارية التي أكل الدهر عليها وشرب ونحتاج إلى الإصلاح لأنها أصبحت متخلفة ويستغلها من هم في مفاصل العمل الحكومي من الفاسدين.
هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى العديد من الدراسات والموضوعات إلا أنه وقبل الإجابة عليها يحسن بنا تحديد مفهوم الفساد فذلك من متطلبات كل دراسة علمية جادة ولأن تحديد المفاهيم ووضعها في إطارها الصحيح وسياقها السليم يضبط مسيرة البحث ويساعد القارئ على معرفة الأضرار التي يلحقها الفساد في المجتمع وفي بنية الدولة.
وإذا كان علماء الاجتماع يوسعون مفهوم الفساد على نحو ما ذكرناه فإن هناك من يضيق المفهوم ويحصره في أعمال وسلوكيات محددة تنسجم مع الأهداف والمبادئ التي تدخل ضمن اختصاصه فالبنك الدولي على سبيل المثال يعرف الفساد على أنه: "إساءة استعمال الوظيفة للكسب الخاص".
وهناك من يفسر الفساد على أنه استغلال المنصب أو الوظيفة بتعيين الأقارب والأصدقاء والمحاسيب حتى ولو كانوا غير مؤهلين لتولي المناصب وهذا ما يضر ويخرب العمل في المؤسسات الاقتصادية والخدمية وينعكس سلباً على الوطن والمواطنين.. في حين يعتقد آخرون بأن الفساد هو سرقة المال العام بمختلف الوسائل والطرق دون وازع من ضمير أو أخلاق.. وفي اعتقادنا أن الفساد أوسع من ذلك بكثير لأنه يغطي كل أوجه الحياة.
مشكلة الفساد وآثاره الاقتصادية والاجتماعية
وضمن سلسلة الخلاصات المركزة التي أعدتها "المؤسسة العربية لضمان الاستثمار" دراسة حول مشكلة الفساد في العالم وآثاره الاقتصادية والاجتماعية على مختلف الدول والعوامل المؤثرة على انتشاره.. أشارت أن البنك الدولي أظهر ضمن استبيان أجراه بين أكثر من 150 من المسؤولين الرسميين رفيعي المستوى والأفراد البارزين في المجتمع المدني في أكثر من 60 دولة نامية أن فساد "القطاع الحكومي" يعتبر من أشد العقبات التي تواجه التنمية والنمو في بلدانهم ويعتبر من المعوقات التي تضعف قدرة الدولة على جذب الاستثمار العربي والأجنبي المباشر.
وتذكر الدراسة أن أهم الأسباب الدافعة الى إثارة هذا الموضوع هو إطاحة فضائح الفساد بحكومات في البلدان الصناعية الكبرى وفي البلدان النامية وتتعرض البلدان التي تمر بمرحلة الانتقال من الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق لحالة من الأوضاع غير المستقرة مما يفتح المجال لجني أرباح طائلة عبر عمليات تلقي الرشوة وتفشي الفساد في معظم الأجهزة الحكومية لديها وفقدانها للصدقية في التعامل.. أضف إلى ذلك زيادة الوعي المتنامي بالآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية للفساد خصوصاً على النمو الاقتصادي والتنمية والمساعدات والقروض الأجنبية وأدى هذا الاهتمام المتجدد إلى فورة مفاجئة في البحث عن أسباب الفساد ونتائجه وزيادة المبادرات الدولية والوطنية المبذولة لمكافحته.
ما هي الأسباب المباشرة لانتشار الفساد والرشوة
إن تعدد أسباب الفساد والرشوة تختلف من بلد لآخر وتنقسم إلى أسباب مباشرة وغير مباشرة وهي:
- سيادة بعض القوانين والصلاحيات التي تمنح مسؤوليات وصلاحيات مباشرة لموظفي القطاع الحكومي لإقرار منح بعض الخدمات العامة أو سن قوانين وتشريعات معينة خصوصاً فيما يتعلق بإعطاء التراخيص والمناقصات ومختلف الوثائق الرسمية.
- عدم وضوح النظام الضريبي وعدم شفافية القوانين والاجراءات الضريبية إضافة إلى إعطاء صلاحيات كبيرة لمحصلي الضرائب مع غياب الرقابة.
- ضخامة حجم بعض المشاريع الحكومية خصوصاً تلك التي تتطلب نفقات ومصاريف كبيرة تغري الموظفين الطامعين إلى جني الأرباح الطائلة دون وجه حق.
أما الأسباب غير المباشرة للفساد والرشوة فتشمل:
- انخفاض مستوى دخل الموظفين الحكوميين ما يعزز انتشار الفساد إذ يضطر هؤلاء إلى قبول الرشاوى كوسيلة لزيادة رواتبهم المتدنية وتأمين دخل إضافي غير مشروع ويتنافى مع القيم والأخلاق.
- عدم استقرار البيئة القانونية والتشريعية التي تحكم المؤسسات الحكومية إذ إن وجود نظام قانوني وضريبي عادل وفاعل إضافة إلى وجود حكومة قادرة على تطبيق القوانين يؤثر على قيام هذه المؤسسات بالمهام الموكلة إليها بشكل فاعل يحد من انتشار الفساد.. أما في حال فشلها في تأدية وظائفها فقد يدفع المتعاملون إلى اللجوء لأساليب غير قانونية لرشوة المسؤولين الحكوميين لإنجاز معاملاتهم وهذا ينعكس سلباً على الوطن والمواطنين وعلى الاقتصاد الوطني.
- عدم شفافية القوانين والتشريعات المتعلقة بالفساد إذ تنعدم هذه الصفة لدى عدد من البلدان ما يجعل القوانين غير واضحة وقابلة للتفسير بشكل خاطئ.
إضافة إلى ذلك فإن الفساد يعمل على تغيير تركيبة عناصر الإنفاق الحكومي إذ يبدد المسؤولون المرتشون موارد الدولة العامة أكثر على البنود التي يسهل ابتزاز رشاوى كبيرة منها مع الاحتفاظ بسريتها ويلاحظ أن الأجهزة الحكومية التي ينتشر فيها الفساد تنفق أقل على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة وتتجه إلى الإنفاق بشك لأكبر على مجالات الاستثمار المفتوحة للرشوة وسرقة المال العام.
إن قراءة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والإداري ومكافحة الفساد والرشوة في جميع مفاصل الدولة هو ما يريده المواطنون والقيادة السياسية في سورية ولاسيما في ظروف الأزمة الراهنة وتحدي العقوبات الاقتصادية والحصار الظالم.
المشروع الوطني للإصلاح الإداري
لقد أكدت افتتاحية "كفاح العمال" التي طرح فيها الرفيق جمال القادري رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال حول أهمية المشروع الوطني للإصلاح الإداري الذي أطلقه السيد الرئيس بشار الأسد مؤخراً والذي حدد الخطوط العريضة والمنهج العام لهذا المشروع المهم الذي يجب أن يتكاتف الجميع كل في موقعه لتنفيذه بما يخدم سورية حالياً ومستقبلاً ويسهم في بناء علاقة صحيحة وشفافة بين المواطن والحكومة وبما يحفظ حقوق الجميع.
وشدد الرفيق القادري في الافتتاحية على تنفيذ مشروع الإصلاح الإداري والقيام بإجراءات يلمسها الجميع مثل مكافحة الفساد والفاسدين ووضع حد للمحسوبيات وجعل المواطن على رأس سلم الأولويات في العمل الحكومي كونه البوصلة التي علينا جميعاً أن نعمل وفقاً لها كما أكد قائد الوطن.
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
أمين حبش