الهجرة تغير عالم اليوم
د . نزار عوني
هل الهجرة مفيدة ؟ ولمن ؟ هذا ما يسعى عالم الاقتصاد البريطاني بول كولير للإجابة عليه في كتابه الجديد " النزوح الجماعي ... كيف تغير الهجرة عالمنا " . ويعتبر كولير أحد علماء الاقتصاد الأكثر احتراما في العالم ، وهو معروف بكتبه القيمة والمستفزة . وكتابه هذا ليس استثناء ، حيث يتساءل فيه حول ما إن كانت الهجرة إلى الغرب تضر بالآفاق الاقتصادية لأفقر بلدان العالم ؟ وفي هذا الصدد يحاجج بأن الهجرة لا تتعلق فقط بمسألة " نحن " و" هم " ، أي المهاجرون وبلد الهجرة ، وإنما بمجموعة من العلاقات الثلاثية التي تشمل أيضا أولئك الذين " بقوا في الخلف " في المجتمعات المعوزة والفقيرة التي تستنزف منها الهجرة مواردها البشرية ، وخاصة اللامعين والطموحين وأصحاب المبادرات في التجارة والأعمال . غير أن هذا المثلث ليس متساوي الأضلاع ، على اعتبار أن سياسات الهجرة بالنسبة للبلدان الغنية هي التي تحدد ، عن غير قصد ، معدلات الهجرة بالنسبة لأفقر المجتمعات في العالم .
وبالطبع ثمة حجج مضادة للفكرة التي تقول إن الهجرة تضر بالبلدان الفقيرة ، ذلك أن التحويلات المالية التي يرسلها المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية تساهم في رخاء ورفاهية من بقوا في الخلف . ويخلص كولير إلى أن تلك التحويلات تعوض تلك البلدان عن هجرة الأدمغة ، فالتقديرات الحالية تشير إلى أن التحويلات العالمية ارتفعت إلى 400 مليار دولار في عام 2014 ، وهو ما يعادل أربعة أضعاف تحويلات المساعدات الدولية ، وعلاوة على ذلك فثمة فوائد أخرى غير مباشرة تنتج عن الهجرة ، منها أن احتكاك المهاجرين بثقافة ومؤسسات الديمقراطيات المتقدمة قد يكون مفيدا بالنسبة للبلد الأصلي على شكل ضغوط من أجل تحسين معايير الحوكمة .
غير أن ثمة بعض الأمور الدقيقة التي قد تغيب عن الأذهان وينبغي أخذها بعين الاعتبار . فالإنفاق على التعليم في البلدان ذات الدخل المنخفض ومعدلات الهجرة المرتفعة إلى الخارج تعتبر من بعض النواحي " شكلا خفيا من المساعدة التي يقدمها الفقراء للأغنياء " ، نظرا لأن تلك البلدان تقوم بتعليم الأشخاص الذين سيهاجرون إلى الغرب مستقبلا بالمجان . فلماذا على البلدان النامية أن تكلف نفسها عناء دعم تعليم المهاجرين المقبلين . ومع ذلك ، فالهجرة تظل مفيدة لكل الأطراف ، يقول كولير ، لأنها توفر عائدات اقتصادية للمهاجرين وتساعد المجتمعات التي أتوا منها . ورغم أن ثمة بعض التكاليف الاجتماعية ، إلا أنها - وخلافا لادعاءات المتطرفين والمتعصبين - لا تتسبب في انخفاض أجور ورواتب العاملين من السكان الأصليين في بلد الاستقبال .
غير أن الخطر الكبير، حسب كولير ، يكمن في الهجرة المنفلتة وغير المنظمة ، وذلك لأنها يمكن أن تتجاوز قدرة بلدان الاستقبال على استيعاب المهاجرين ، مع ما يحمله ذلك من عواقب اجتماعية ، ولأنها يمكن أن تفرض في النهاية ضغطا حقيقيا على أجور العمال من السكان الأصليين . والأدهى هو أن البلد الأصلي سيجرد من رأسماله البشري . فهاييتي مثلا فقدت 85 في المئة من عمالها المتعلمين . إلا أن الحجة الأقوى التي يدفع بها كولير هي أن الموجات السابقة من الهجرة خلقت الظروف التي من شأنها تسريع الهجرة من الآن فصاعدا . ذلك أن الهجرة تكون أقل صعوبة إذا استطاع المرء الانتقال إلى حي يعيش فيه الكثير من مواطنيه ، فهناك يستطيع تحدث لغته الأصلية ، وتناول مأكولات بلده ، وطلب مساعدة أبناء عمومته في إيجاد عمل . ولأن العديد من البلدان الغربية تسمح للمهاجرين الحديثين بكفالة تأشيرات لأقاربهم ، يتوقع كولير أن تواصل المجموعات الكبيرة وغير المندمجة من المهاجرين الارتفاع . وفي غضون ذلك ، سيصبح اندماجها في مجتمع بلد الاستقبال أكثر صعوبة واستعصاء .
والواقع أن كولير ليس يمينيا متعصبا ، والحجج التي يدفع بها تستحق الاهتمام ، غير أنه يبدو مغرقا في التشاؤم . إنه يعيش في بريطانيا التي يشكل فيها البيض زهاء 90 في المئة ، ولم تعرف هجرة مهمة سوى في العقود الأخيرة تقريبا ، لكن تخوفاته تتعلق في معظمها بالضرر الذي قد تسببه الهجرة ، وليس بالضرر الذي تسببت به فعلا . والحال أن الأدلة التي يسوقها تشير إلى أن الهجرة كانت مفيدة للغاية حتى الآن . صحيح أن بريطانيا قد لا تستطيع التعاطي مع قدر أكبر من التنوع مستقبلا ، غير أن ما لا تخطئه العين حاليا هو أن الجزء الأكثر تنوعا من البلاد أي لندن التي يشكل فيها البريطانيون البيض أقل من 50 في المئة ، هو الأكثر ازدهارا على مستوى البلاد .