المفهوم الجديد للسياسة الدولية
وهدان وهدان
ربما لن تخرج المنظومة الدولية من الفوضى والنزاع ما لم تنجح قواها المتعددة في التفاهم النسبي ، وإعادة ترتيب الأوضاع العالمية على أسس تحترم هذا التعدد ، وتتعامل معه كمصدر ثروة وإغناء ، لا منبع تنافس وصراع واقتتال ، أي ما لم تبرز فرص بناء تعددية عالمية على مستوى القيادة ، وبلورة السياسات الدولية المشتركة ، وعلى مستوى التفاعلات الحضارية ، ولعل ما يفسر تأخر ظهور ملامح هذه القيادة المعنوية والتعددية ليس نقص التفاهم بين الأطراف الدولية ، فالتفاهم القائم في إطار حلف الأطلسي بين القوى الفاعلة في المنظومة الدولية ومن حول الولايات المتحدة لم يمنع النزاعات الدولية ، ولا حتى بين أطراف الحلف نفسه ، لو أنه شكل الأساس لسياسة عالمية قائمة وحيدة ، هي سياسة إملاء الدول الأطلسية لمطالبها على جميع الدول الأخرى .
إن سبب تأخر ظهور قيادة عالمية ، بالمعنى الحقيقي للكلمة هو العجز عن بلورة مفهوم سليم وجديد للقيادة الدولية ، وصياغة إطار عملي وناجع لممارسة هذه القيادة الجماعية ، التي يحتاج إليها عالم اليوم والغد ، في ظل إطار يسمح بإشراك جميع البلدان وجميع المجموعات الحضارية في التفكير والمشاركة في المصير العالمي والشؤون الدولية ، ومن وراء ذلك غياب مفهوم جدي وواضح لمفهوم السياسة العالمية نفسه ، ولا شك أن تعلق الدول جميعا ، والدول الصناعية المؤثرة أساسا ، بمفهومها التقليدي للمصلحة القومية ، وعدم اكتراثها بالمصير العالمي ، وتسليمها الأمر للولايات المتحدة ، أي للأقوى فيه ، في سبيل فرض مصالحها القومية ، لقد لعب دورا كبيرا في طمس الحاجة إلى مثل هذه السياسة والقيادة المرتبطة بها .
إن جوهر ما نعيشه اليوم ليس هو في الواقع إلا الصراع العنيف على تحديد جدول أعمال السياسة العالمية ، وصعوبة التوصل إلى مثل هذا الجدول العملي ، فالولايات المتحدة تريده أن يكون مطابقا تماما لجدول أعمال السياسة القومية الأمريكية ، والدول الصناعية الأخرى تسعى إلى جعله مطابقا لجدول أعمال التحالف الصناعي بأكمله ، لضمان مصالحها القومية ، في الوقت الذي لا يجد فيه الجنوب أي قوة قادرة على طرح جدول أعمال يعبر عن مصالح المجتمعات الفقيرة ، مما يترك ميدان المبادرة كاملا للقوى الصناعية في تحديد مضمون السياسة العالمية ، ويدفع بالمجتمعات الفقيرة الفاقدة لأي قوة ومبادرة ، إلى الانكفاء على استراتيجية العصيان ، والمقاومة والشك في السياسات الدولية .